لا يمكن للعقل السليم إذا تدبر في نفسه وفي الكون من حوله أن ينكر بديع الصنع، ودقته وتكامله بشكل يفوق قدرات الناظرين علي استقصائه، مهما بلغت أدوات الناظر العلمية، فما عرفناه من الكون قليل، وما غاب عنا كثير، و كلما زادت أدواته وزاد كشفه لهذا الكون وجد ما أذهله من دقة وحكمة لا يمكن أن يقال عنها أنها الصدفة والعشوائية؛ فلابد أن وراءها صانع حكيم مبدع، أراد ففعل ما أراد علي الوجه الذي أراد، فكان هذا التوازن العجيب بين أجزاء الكون على اختلاف أشكاله و ألوانه وتراكيبه وظائفه، إنه الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه.
هذا ما نسميه منطق العقل السليم في تدبر النفس والكون، والذي ينبغي أن يجعل جغرافيا الأديان مختلفة تمامًا عما نعرفه الآن، فما نعرفه الآن ما هو إلا من فعل العقول السفيهة التي عظمت البشر والحجر والشجر والحيوان والشمس والنجوم والقمر؛ فاتخذت لها من بين المخلوقين ألهًا تعبده من دون الخالق؛ فذاك يعظم البشر كالنصاري وتعظيمهم لعيسي وأمه مريم، وكاليهود وقولهم العزير ابن الله، والله يصارع الأنبياء ومنهم من يصارعه، و كالبوذيين وتعظيمهم لشخص بوذا، وعن الوثنيين فحدث ولا حرج؛ فمنهم عابد للبقر وللحجر وللقمر بل و لفأر، فأي عقول هذه التي تخلت عن عقلانيتها واتبعت الأهواء والشياطين ليجعلوهم عباد لمخلوقات الله من دون الخالق؟
فصدق عليهم وعد إبليس حينما قال (لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضّا) فصدق في وعده، فغير جغرافيا الأديان وجعلها علي غير وضعها الصحيح، فأضل الخلق فعبدوا غير الخالق أو أشركوا معه.
أن منطق العقل السليم يحتم أن تكون جغرافيا الأديان التي تحترمها العقول السليمة علي قسمين فقط من البشر.
إما عابد للخالق لا يشرك معه أحدا من خلقه.
أو باحث عن الخالق الذي أبدع هذا الكون ليعبده.
هذا لمن أراد أن يحترم عقله، أما عباد غير الخالق أو من أشركوا معه أحدا من خلقه فأقول لهم سفهتم عقولكم و اتبعتم الشيطان والأهواء فلا تلوموا إلا أنفسكم، هذا العقل الذي أحاطه الخالق بالعناية والرعاية فجعله قادرا على التمييز بين ما ينفع وما يضر، فتجده حريص منذ مولده علي البقاء في الحياة فيبحث عن ثدي أمه ليلتقمه دون أن يعلمه أحد، هو نفسه العقل الذي يسأل عند البلوغ من أنا ومن أجدني، ما هذا الكون ومن أبدع، أسئلة حتمية لابد أن تطرأ علي عقل كل انسان فلا مفر منها؛ فهي للإنسان كالبحث عن الرضاعة عند الولادة، فالنفس تبحث عن إجابتها لتحيا بالجواب ولتخرج من ظلمات الجهل بالخالق إلى نعيم عبوديته، تبحث النفس عن خالقها الذي أوجدها وأوجد ما حولها لتحيا به الحياة الحقيقية، حياة المُقر لخالقه بالجميل والعرفان، حياة العابد لخالقه شكرا على نعمة الإيجاد، حياة المتبع لأوامر خالقه لتنتظم أمور حياته بلا تعارض مع مصالح الآخرين كما انتظم الكون الفسيح بأمر ربه فلا تجد فيه خلل ولا تفاوات ولا فساد، إلا ما كان من تدخل الانسان الذي طغى في الميزان فافسد الجميل الذي صنعه الخالق.
وسبحان من عظم فيك أيها الانسان نعمة العقل فأرشدك إلى استخدامه للبحث عنه فقال تعالي
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}الروم30.
فهل الوجه فيك إلا الحواس و العقل، وهل الدين الحنيف إلا قصر العبادة على الخالق، و ما أحال الله الإنسان للعقل في هذه الآية وفي كثير من آيات القرآن.
إلى لأن الله يعلم قدرات هذا العقل الذي أبدع، وكم في القرآن من قوله تعالى (لعلكم تعقلون)، (لقوم يتفكرون)، (لقوم يفقهون). ومن أروع قوله تعالي (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) 46 سبأ
أي تتفكروا من أجل الوصول لله.
فهلا تفكر أهل الأرض بعقولهم ولو لساعة لعلهم بهذه الساعة يغيروا جغرافيا الأديان الي قيام الساعة، فالعقل قادر علي الحكم بوجود الله وهو غيب لم ندركه ولكن دلت على وجوده كل الآثار من حولنا كما قال الأعرابي مستدلا على الخالق بالعقل
(الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار، ألا تدل علي العليم الخبير)
قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى تعلم
(لكل حادث مُحدِث).
هذا عقل الأعرابي الذي لم يتعلم و لم يشاهد من ملك الله الا النذر اليسير، فكيف للعقول التي تعلمت وشاهدت في زماننا ما لم يشاهده الأعرابي من غرائب وعجائب ملك الله، كيف لهذه العقول المتعلمة أن تشوه جغرافيا الأديان، فبدلا من أن يكون هناك عابد للخالق وباحث عن الخالق أصبح هناك العديد من الأديان الباطلة التي لا يقرها إلا عقل السفهاء التي وصفها الله بقوله
(كالأنعام بل أضل) صدقت يا ربي فهم من غيروا جغرافيا الأديان هم بالفعل أضل من الأنعام التي تعرف حق مالكها فتطيعه إذا أمر، أما من غيروا جغرافيا الأديان فلم يستطيعوا أن يكونوا حتى كالأنعام فنزلوا بعقولهم إلى ما دون الأنعام حين شاهدوا الخلق ولم يشاهدوا الخالق أو شاهدوه ثم أشركوا معه، الأديان الوضعية جامعة المدينة فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيا، فلسفة الموت والروح، وعقيدة خلق العالم، والخلاص من الشر ألا وهي.
الديانة الهندوسية، الديانة البوذية، الديانة الجينية، ديانة السيخ، والديانة البوذية الصينية، الديانة المانوية، الديانة الزرادشتية.
تعليقات
إرسال تعليق